جبال القلمون تشعل ذاكرتها… نارٌ تتكلم بالآرامية..

الصحفي خالد فيصل الطويل

في ليلة الثالث عشر من أيلول، وقبل أن يأتي عيد الصليب بيوم، يحدث شيء غريب في جبال القلمون،تشتعل النيران.

واحدة هنا… وأخرى هناك… ثم تظهر نار فوق جبل، فترد عليها نار من جبل آخر، حتى يبدو الليل وكأن الجبال تتحدث فيما بينها بلغة لا تحتاج إلى كلمات.

طفل ينظر من نافذة بيته.

رجل يتذكر أباه.

امرأة تتذكر ليالي طفولتها.

وشيخ يعرف أن هذه النيران كانت موجودة قبل أن تتغير أشياء كثيرة حوله.

قد لا يعرف أحد اليوم على وجه الدقة متى بدأت حكاية هذه النار، ومن أشعلها أول مرة، وكيف انتقلت هذه العادة من جيل إلى جيل.

لكن الناس ما زالوا يشعلونها.

وهذا وحده يكفي لكي نفهم أن بعض الأشياء لا تعيش لأنها موثقة في الكتب… بل لأنها محفوظة في ذاكرة الناس.

الصليب ليس مجرد تاريخ في التقويم

في 14 أيلول، يحتفل المسيحيون بعيد رفع الصليب.

إنها مناسبة دينية عميقة في الوجدان المسيحي، ارتبطت في التقليد الكنسي بذكرى العثور على الصليب في القدس وإظهاره ورفعه أمام المؤمنين.

لكن في سوريا، وكما يحدث دائماً مع المناسبات التي تعيش طويلاً بين الناس، لم يبقَ العيد داخل جدران الكنائس.

دخل إلى البيوت، وصعد إلى الجبال، وأصبح للنار مكان في حكايته الشعبية.

وهنا تبدأ القصة السورية بتجلياتها الأجمل والأوسع.

ففي القلمون، وفي مركز المثلث السرياني الآرامي (معلولا وجبعدين والصرخة) ومن خلال اللغة الآرامية السريانية والتي تظهر كثلاث نوافذ مفتوحة على زمن بعيد.

هناك نقول ما يميز هذه البلدات ليس موقعها فقط، ولا طبيعتها الجبلية، ولا تاريخها الديني.

إنها من أبرز الأماكن التي بقيت فيها الآرامية الغربية حاضرة في الكلام والذاكرة.

تخيل أن تقف في قرية سورية اليوم، وتسمع على ألسنة أهلها كلمات تنتمي إلى طبقة لغوية موغلة في القدم، هنا يصبح الزمن شيئاً محسوساً.

فأنت لا تقرأ التاريخ في كتاب… أنت تسمعه… وهذا لغة ما زالت متوارثة هي من أكثر الأشياء التي تجعل القلمون مختلفاً.

على هذه الأرض وقبل أن نتقاتل على الهوية… كانت الأرض تتسع للجميع..

رغم اننا نعيش نعيش المشكلة في عالمنا العربي ونحن الذين اعتدنا النظر إلى التاريخ كأنه ملكية خاصة.

هنا يمكننا القول : هذا تاريخنا… هذه لغتنا…. هذا تراثنا…. وهذا المكان لنا.

نعم إن التاريخ السوري أكثر تعقيداً من كل هذه الشعارات. لأن سوريا لم تكن يوماً جزيرة معزولة، فقد مرت بها حضارات وحضارات، وتجاورت فيها الأديان واللغات والثقافات؛ وتغيرت أسماء الدول والسلطات والحدود مرات كثيرة، بينما بقي الناس في قراهم وبيوتهم وجبالهم.

ولهذا فإن الآرامية ليست «ملكية» لجماعة سياسية، أو دينية ، والمسيحية ليست جسماً غريباً عن سوريا.وكذلك فإن الإسلام ليس تاريخاً منفصلاً عن تاريخها بماضيه وحاضره.

والعروبة ليست مقصلة يجب أن تُقطع بها بقية الهويات، إنها سوريا، وسوريا أكبر من أن تختصر بهوية واحدة.

نار عيد الصليب ربما تقول شيئاً بسيطاً جداً:

أن الذاكرة تستطيع أن تعيش رغم كل شيء.

الحرب تستطيع أن تهدم بيتاً، والهجرة تستطيع أن تفرغ قرية، والسياسة تستطيع أن تغيّر المناهج، والسلطة تستطيع أن تعيد كتابة كثير من الأشياء.

لكنها جميعاً تواجه عدواً أصعب هو (ذاكرة الناس).

فحين يشعل رجل النار فوق الجبل لأنه رأى أباه يفعل ذلك…فهو لا يشعل ناراً فقط… إنه يعيد تشغيل ذاكرة… وحين يأخذ أب ابنه ليريه النيران فوق التلال… فهو لا يريه احتفالاً فحسب.

إنه يسلمه شيئاً من المكان… وهكذا تنتقل الذاكرة، من يد إلى يد، ومن عين إلى عين، ومن جيل إلى جيل.

لكننا نخسر شيئاً ما بصمت؛ فالمفارقة المؤلمة أن هذه الذاكرة مهددة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الحرب… بل بسبب الهجرة، والفقر، والاندثار التدريجي لبعض العادات والكثير من مفردات اللغة الضاربة في التاريخ.

عندما يغادر أبناء القرى، لا تغادر معهم أجسادهم فقط، أحياناً تغادر معهم كلمات لا يعرفها أحد غيرهم، وتغادر حكايات لا توجد في الكتب..وأسماء أماكن لا يعرف معناها إلا كبار السن.. وأغنيات ومناسبات وعادات قد لا تجد من يحملها إلى الجيل التالي، هذا ما حدث معي ومع عائلتي ومع الكثير من العائلات التي تم تهجيرها وغدت بعيدة آلاف الكيلومترات عن جبال القلمون.

من هنا تصبح حماية التراث مسؤولية وطنية وليست ترفاً ثقافياً.

ان حماية التراث لا تعني أن نحول (معلولا) أو (جبعدين) أو (الصرخة) إلى متحف مفتوح، ولا أن نحاصر أهلها داخل صورة رومانسية عن الماضي.

فالتراث الحقيقي ليس الآثار المحفورة في الصخور فقط، إنه الإنسان الذي ما زال يعيش بين الحجارة، واللغة التي ما زالت على لسانه، والأغنية التي ما زالت في ذاكرته، والطقس الذي ما زال يمارسه، والقصة التي ما زال يرويها لطفله.

ولهذا فإن حماية هذه القرى تبدأ بحماية أهلها، وإعادة الحياة إليها، وفتح أبواب التعليم والعمل والسياحة المستدامة، وتوثيق اللغة والعادات والحكايات قبل أن تضيع.

وربما لهذا تعلو صورة النار، لأن النار لا تحتاج إلى ترجمة.

تراها من بعيد فتفهم أن هناك حياة؛ أن هناك ذاكرة؛ أن هناك شيئاً يقول: نحن ما زلنا هنا.

وفي ليلة عيد الصليب، حين تشتعل النيران فوق جبال القلمون، يمكن للسوري أن يرى فيها أكثر من مناسبة دينية.

يمكنه أن يرى فيها قصة وطن كامل.

وطنٍ كانت لغاته متعددة… وأديانه متعددة… وثقافاته متعددة…لكن أرضه واحدة.

سوريا التي نريدها لا تخاف من ذاكرتها، وربما آن الأوان لأن نتوقف عن سؤال بعضنا:

من كان هنا أولاً؟ ومن يملك هذا التراث؟

ومن يملك هذه اللغة؟ ومن يملك هذا التاريخ؟ ونسأل بدلاً من ذلك سؤالاً أكثر نضجاً:

كيف نحفظ كل هذا التاريخ لأطفال سوريا؟

كيف نعلّم الطفل المسلم أن الآرامية جزء من تاريخ بلاده دون أن يشعر أنها تهدده؟

وكيف نعلّم الطفل المسيحي أن تاريخ بلاده لا يبدأ وينتهي عند طائفته؟

وكيف نعلّم السوري الكردي أو العربي أو السرياني أو التركماني أن تنوع سوريا ليس تهديداً لهويته، بل إن هذا التنوع هو جزء من ثراء البلد الذي ينتمي إليه؟

هذه هي سوريا التي تستحق أن نبنيها، سوريا التي لا تطلب من أحد أن يمحو جزءاً من ذاكرته كي يصبح سورياً.

بل تقول له: احتفظ بذاكرتك… واترك لي مساحة في قلبها لذاكرة أخيك.

وفي ليلة عيد الصليب…حين تشتعل النيران فوق جبال القلمون…

ربما لا تكون الجبال هي التي تتحدث.

ربما نحن الذين نسينا كيف نصغي، فاسمعوا جيداً…

إنها سوريا… سوريا التي تتحدث بلغة أقدم من حدودها… وتحمل في ذاكرتها أكثر مما تستطيع كتب التاريخ أن ترويه.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى